القاضي التنوخي

26

الفرج بعد الشدة

وتأمّلنا أمرنا ، فرأينا الأسود يرجمنا ، فطلبناه ، وطلبنا . فلمّا تداخلنا ، رام الأسود أن يقبض عليّ ، فزغت منه ، فقبض على الخراساني ، وكان الخراساني أيّدا ، فما زالا يتعاركان ساعة طويلة ، ثم انكبّ الأسود على كتف الخراسانيّ فعضّه . فصاح الخراسانيّ : يا بغداديّ أدركني ، فقد قتلني . فدنوت من خلف الأسود فقبضت على خصيتيه ، ولكمتها لكمات شديدة فخرّ مغشيا عليه ، وقام الخراساني ، فجلس على صدره ، وخنقه بيده حتى تلف . وسرنا ، والخراساني يصيح من ألم العضّة ، حتى انتهينا إلى حيال قرية عامرة . فصحنا بملّاح ، فقدّم « 3 » زورقه لنعبر إلى القرية ، فطرح الخراساني نفسه على الشطّ كالتالف . فشجّعته ، وقلت له : مالك ؟ وأيّ شيء قدر عضّة ؟ فقال : ويحك أنظر إليها ، فنظرت إليها ، فإذا هي قد أخذت كتفه كلّها ، واسودّت ، واحمرّ بدنه كلّه . فحملته أنا والملّاح ، حتى حصّلناه في الزورق ، وعبرنا ، فلمّا صرنا بقرب الشطّ ، تلف ، فأخرجناه ميتا . فاجتمع أهل القرية وسألوا عن شأنه ، فحدّثتهم الحديث .

--> ( 3 ) قدّم الزورق : اصطلاح بغداديّ ، بمعنى : أرساه على الشاطئ ، وهذه الكلمة مستعملة إلى الآن عند القواربية ببغداد . والعامّة ببغداد يسمّون القارب : بلم ويجمعونه على : أبلام ، وبلمات ، ويسمّون القواربيّ : بلّام ، وأحسب أنّ لفظة بلم ، محرّفة عن برم ، جمعها : برمات ، نوع من القوارب الّتي كان استعمالها شائعا ببغداد في القرن الرابع الهجري في العهد العبّاسي ، راجع حكاية أبي القاسم البغدادي ص 107 ، وللاطلاع على تفصيل أنواع وأسماء المراكب والسفن في ذلك العهد ، راجع معجم المراكب والسفن في الإسلام للعلّامة حبيب زيات نشر بمجلّة المشرق ، آب - كانون الأول 1949 السنة 43 .